جلال الدين السيوطي
469
الإتقان في علوم القرآن
يجوز عندي أن يخرّج عليه قوله : أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ [ النمل : 25 ] . وأما قوله تعالى : أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ [ النمل : 31 ] فليست هذه ، بل هي كلمتان : أنّ الناصبة ولا النافية ، أو ( أنّ ) المفسرة ولا الناهية . إلّا « 1 » : بالكسر والتشديد على أوجه : أحدها : الاستثناء متصلا ، نحو : فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا [ البقرة : 249 ] ما فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ [ النساء : 66 ] . أو منقطعا ؛ نحو : قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا ( 57 ) [ الفرقان : 57 ] ، وَما لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزى ( 19 ) إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى ( 20 ) [ الليل : 19 . 20 ] . الثاني : بمعنى غير ، فيوصف بها وبتاليها جمع منكر أو شبهه ، ويعرب الاسم الواقع بعدها بإعراب غير ، نحو : لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [ الأنبياء : 22 ] ، فلا يجوز أن تكون هذه الآية للاستثناء ؛ لأنّ آلِهَةٌ جمع منكّر في الإثبات ، فلا عموم له ، فلا يصحّ الاستثناء منه ، ولأنه يصير المعنى حينئذ : لو كان فيهما آلهة ليس فيهم اللّه لفسدتا ، وهو باطل باعتبار مفهومه . الثالث : أن تكون عاطفة بمنزلة الواو في التشريك ، ذكره الأخفش والفرّاء وأبو عبيدة ، وخرّجوا عليه : لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ [ البقرة : 150 ] ، لا يَخافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْناً بَعْدَ سُوءٍ [ النمل : 10 . 11 ] أي : ولا الذين ظلموا ولا من ظلم . وتأوّلهما الجمهور على الاستثناء المنقطع . الرابع : بمعنى ( بل ) ، ذكره بعضهم ، وخرّج عليه : ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى ( 2 ) إِلَّا تَذْكِرَةً [ طه : 2 . 3 ] أي : بل تذكرة . الخامس : بمعنى ( بدل ) ، ذكره ابن الصائغ ، وخرّج عليه آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ أي بدل اللّه أو عوضه ، وبه يخرج عن الإشكال المذكور في الاستثناء وفي الوصف بإلّا من جهة المفهوم . وغلط ابن مالك ، فعدّ من أقسامها نحو : إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ [ التوبة : 40 ] وليست منها ، بل هي كلمتان : ( إنّ ) الشرطية و ( لا ) النافية . فائدة « 2 » : قال الرّمّانيّ في تفسيره : معنى إلّا اللازم لها الاختصاص بالشيء دون غيره ، فإذا قلت : جاءني القوم إلّا زيدا . فقد اختصصت زيدا بأنه لم يجيء ، وإذا قلت : ما جاءني إلّا
--> ( 1 ) انظر الصاحبي ص 138 - 142 ، والبرهان 4 / 236 ، ورصف المباني ص 171 - 178 . ( 2 ) انظر البرهان 4 / 241 .